يحيي بن حمزة العلوي اليمني

182

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الله في قوله : وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ ( 20 ) [ ص : 20 ] « وأما مثاله » من السنة النبوية فقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن الشبيبة قبل الكبر ، ومن الحياة قبل الموت ، بعد قوله ألا وإن المرء بين مخافتين ، بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع به وبين أجل قد بقي لا يدرى ما الله قاض فيه ، فليأخذ العبد لنفسه من نفسه ، فانظر إلى هذا الاقتضاب ما أعجبه وألطفه يكاد يقرب من التخليص ، ومن تتبع كلامه في الخطب والمواعظ فإنه يجد فيه من حسن الاقتضاب شيئا كثيرا . وأما مثاله من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه فكقوله : ثم إن الدنيا دار فناء وعناء وعبر وغير ، فمن الفناء أن الدهر موتر قوسه لا يخطئ سهامه ، ولا يوسى جراحه ، يرمى الحي بالموت ، والصحيح بالسقم ، والناجي بالعطب ، آكل لا يشبع ، وشارب لا ينفع ، ومن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل ، ويبنى ما لا يسكن ، ثم يخرج إلى الله تعالى لا مالا حمل ، ولا بناء نقل ، ومن عبرها أنك ترى المغبوط مرحوما ، والمرحوم مغبوطا ، ليس ذلك إلا نعيما زلّ ، وبؤسا نزل ، ومن غيرها أن المرء يشرف على أمله ، فيقتطعه حضور أجله ، فلا أمل يدرك ، ولا مؤمّل يترك ، فسبحان الله ما أغرّ سرورها ، وأظمأ ريّها ، وأطحى فيئها ، لا جاء يرد ، ولا ماض يرتد ، فسبحان الله ما أقرب الحي من الميت للحاقه به ، وأبعد الميت من الحي لانقطاعه منه ، إنه ليس شر من الشر إلا عقابه ، ولا خير من الخير إلا ثوابه ، وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه ، فليكفكم من العيان السماع ، ومن الغيب الخبر ، واعلموا أن كل ما نقص من الدنيا وزاد في الآخرة خير مما نقص في الآخرة وزاد في الدنيا ، فكم من منقوص رابح ، ومزيد خاسر ، إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه ، وما أحلّ لكم أكثر مما حرم عليكم ، فذروا ما قل لما كثر ، وما ضاق لما اتسع ، قد تكفّل لكم بالرزق ، وأمرتم بالعمل ، فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله ، مع أنه والله لقد اعترض الشك ودخل اليقين ، حتى كأن الذي قد ضمن لكم قد فرض عليكم ، وكأن الذي قد فرض عليكم قد وضع عنكم ، فبادروا العمل ، وخافوا بغتة الأجل ، فإنه لا يرجى من رجعة العمل ما يرجى من رجعة الرزق ، ما فات اليوم من الرزق رجى غدا زيادته ، وما فات أمس من العمر لم ترج اليوم رجعته ، الرجاء مع الجائى واليأس مع الماضي ، فاتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون .